السبت، مارس 28، 2009

حبٌ من نوعٍ نادر..




هناك نوعٌ من الحب يكاد أن يكون نادرا، لم أجد من تحدث عنه ممن كتب عن الحب من القدماء، كابن القيم في (روضة المحبين) أو ابن حزم في (طوق الحمامة)، ولكن تجده منتشر بشكل لافت عند من يخوض في العشق الإلهي وخصوصا الصوفية .

هذا النوع من الحب يمكن أن أطلق عليه (الحب الاتحادي) أو (حب الفناء) أو(الحب الوحدوي)..

وحقيقته أن يشعر المحب أنه اتحد مع المحبوب، بمعنى أنه أصبح والمحبوب روحا واحدة في جسمين، كما قال الشاعر:



أنا من أهوى، ومن أهوى أنا *** نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتَه أبصرتني *** وإذا أبصرتني أبصرتنا



عند هذا الحد يفقد المحب الشعوربـ (الأنا)، فلا يشاهد من نفسه إلا محبوبه، ولا يشعر إلا بشعوره، فيغيب عن شهود أوصاف نفسه بمشاهدة أوصاف المحبوب .



يحكي السهروردي عن هذه الحاله فيقول:

ما أرى نفسيَ إلا أنتمُ *** واعتقدي أنكم أنتم أنا !



فالروح تصبح واحدة.. والنفس تغدو واحدة .. والقلبان قلب، والشعور واحد :

روحها روحي، وروحي روحها *** ولها قلبٌ، وقلبي قلبها

فلنا روحٌ وقلبٌ واحدٌ *** حسبها حسبي، وحسبي حسبها !


عند ذلك لا يشهد من نفسه إلا محبوبه، فلايُبصر ولايسمع إلا هو، ولايشهد من الكون سواه، ولا يملك عند مخاطبته إلا أن يقول "غبت بك عنّي ، فظننتُ أنك أنّي"

ياغاية المتنمي ** أفنيتني بك عني

أدنَيتني من حتى ** ظننتُ أنك أنّي


فأنّى للمحب أن يرى غير محبوبه، وهو لا ينظر إلا بعين المحبوب لا بعين نفسه


إن تبدى حبيبي ** بأي عينٍ أراهُ

بعينه؟ لا بعيني ** فليس غيري يراه


إن حال المحبوب في هذا النوع من الحب لا تقف عند هذا الحد، فالمحب لايغيب عن نفسه .. بل يغيب ويفنى عن المكان الذي يجمعه بالمحبوب، فيُغمض العين عن الأين..


وغنّى ليَ من قلبيْ *** وغنّيْتُ كما غنّى

وكنّا حيثما كانوا *** وكانوا حيثما كنّا



هل سمعتم بهذا النوع من الحب ؟


هل رأيتموه ؟

هل عايشتموه ؟
هل ذقتموه ؟
من ذاق عرف .. ومن عرف غرف ..



إن هذا النوع من الحب لايدركه تجّار العواطف من صانعي أفلام الغرام، أو كُتاب أغاني الهيام.

إنه مقامٌ سامٍ تقصر دونه آمال المحبين، تتضاءل أمامه همم العاشقين، فلا يقدر عليه إلا من باع نفسه فداءً للمحبوب ..



يا نســـيـــم الريح قولي للرشــا *** لــــــم يزدني الـــورد إلا عطشـــــا


لي حبيب حبه وســــــــــط الحشا *** لو يشــا يمشي على خدي مشا


روحــــــــه روحي و روحي روحــــه *** إن يشا شئت، و إن شئت يشــــا


كيف يكون حال هذين إذا إلتقيا ؟ كيف يتخاطبان وهما واحد ؟



قال لى المحبوب لما زرته *** من ببابى؟ قلت: بالباب أنا


قال اخطأت تعريف الهوى *** حينما فرقت فيه بيننا


ومضي عام فلما جئته *** أطرق الباب عليه موهنا


قال: من انت؟ قلت : انظر فما *** ثَم الا انت بالباب هنا


قال: أحسنت تعريف الهوى *** وعرفت الحب، فادخل يا أنا




ودمتم متحدين ..مع المحبين :)



تحياتي



بوسند

هناك 18 تعليقًا:

Q80 Blogger يقول...

الله الله الله

شكرا جزيلا يا بوسند

جميل .. صج حب من نوع نادر !!! وله طعم آخر


روحها روحي، وروحي روحها *** ولها قلبٌ، وقلبي قلبها

فلنا روحٌ وقلبٌ واحدٌ *** حسبها حسبي، وحسبي حسبها !



قوي جدا

سلمت يداك .. وكثر من هالمواضيع .. خلنا بالحب أبرك من باجي السوالف !!

المنبر الكويتي يقول...

ما شاء الله تبارك الرحمن :)

سلمت يمينك .. كلمات جميلة وعبارات رائعة , وقلمك سيال يا بوسند

لعلها من محاسن الصدف أن البارحة كتبت مقال عن الحب بشكل عام , ولقيت هنا من يخصصه بجانب من جوانبه :)

يهمني رأيك فيه وتفضل بقراءته :)


تخياتي

المنبر الكويتي يقول...

عفوا تحياتي*

:)

غير معرف يقول...

فعلا.. حب نادر... و فريد! ;)

>>AL.MoHra>> يقول...

الله على مثل هذه التعبيرات والله الله على هذه الكلمات

صراحةً للأسف الشديد لم نرى ولم نسمع كتلك:(

سلمت يداك على ما خطته يمناك:))

مركبنا يقول...

اخي الفاضل : بو سند

من اول لحظات قراءتي للموضوع وانا ادندن بيني وبين نفسي الابيات التى ختمت انت بها ...

احب الله ثم نفسي والناس وهذا سر روعة الاحساس ...

بوست راقي

الشاطري يقول...

تحياتي ،،،

إذا أنت لم تعشق و لم تدري ما الهوى
فقم واعتلف تبنا فانت حمار

،،،، محشومين أيها الفضلاء ،،،

لكن ألا ترى يا بوسندأن في بعض الأبيات التي ذكرتها ،،، تدعوا إلى نظرية الحلول والإتحاد ،،، فقط للتوضيح

صقر قريش يقول...

بعد قراءة الموضوع لا أملك ان اقول لسك سوى:

رضي الله عنك وقدس الله سرك مولانا حجة الإسلام وحكيم الزمان وتحفة الأنام العارف بالله بل شيخ العارفين أباسند.

صقر قريش يقول...

لسك =لك

بوسند يقول...

ياهلا كويتي بلوغر ..

أعرف أن مواضيع السياسة ثقيلة على النفس وكثير منها يبعث على النكد ..

ولكن ما حيلتنا؟!!

إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا *** فما حيلة المضطر إلا ركوبها

شكرا على مرورك

:::::::::::::::::::::::

وسلمت يمينك على موضوعك الجميل أيها الحبيب ..

بالتوفيق ..

:::::::::::::::::::::


حياك يالمهره..

وياما حتشوفي في هالدنيا .. من النوادر ..

رزقك الله نادرة جميلة :)

Catism يقول...

مولانا أبا سند،
حلقت بنا في آفاق بهيّة عليّة.
فليبارك فيك المولى. :)

بوسند يقول...

مركبنا..

إنها توارد الخواطر :)

هل تحبين الله ؟!

عندما سُئل الإمام الغزال هذا السؤال ..سكت

وقال : إن قلت :لا.. كفرت

وإن قُلت : نعم .. أخشى أن يقال لي : فأين علامات ذلك الحب منك !

:)

تحياتي

::::::::::::::::::::::::::

أهلا بالشاطري ..

نعم هي تدعو إلى الاتحاد ..

ولكن ليس مع واجب الوجود .. بل جائز الوجود :)

موفّق

:::::::::::::::::::::::

صقر قريش ..

لا تقول حق أحد إني حجة الإسلام وشيخ العارفين .. خلها بيني وبينك بس :)

تحية حارة لك

أخوك:
حجة الإسلام :)

::::::::::::::::::::::::::::::

القطوية ..

هذه بضاعتكم رُدّت إليكم :)

تحيّتي

Ra-1 يقول...

قد يكون هذا الحب نادر لكنه موجود :)


قال اخطأت تعريف الهوى *** حينما فرقت فيه بيننا
خطير هالبيت! أعجبني جدا

Meshary يقول...

عندما تتمازج الأرواح وتنصهر ويصبح الحب خمرا حلو المذاق يرشف منه الحبيب والمحبوب ، تنتشي حينها الأرواح (المتحدة) ما بين سكرات في الخيال وسكرات في اليقظة ..

كأس العشق تصنع قالبه أرواح المحبين ، فتسكب رحيق غرامها فيه وتذوب بداخله حتى يكون مذاقه خالصا سائغا للشاربين ..

الخلة هي أقرب إلى الحب الاتحادي أو حب الفناء الذي أسميته ، فهو " توحيد المحبة ورتبة أو مقام لا تقبل المشاركة ، وقد قيل أنها سميت كذلك لتخللها جميع أجزاء الروح وتداخلها فيها"

قد تخلَّلْتِ مسلك الروح مِني .. وبذا سُمِّي الخليل خليلاً

وإذا أردنا أن نتكلم عن اتحاد الأرواح من منظور فلسفي يمكن لنا أن نفسر حالة الحب على هذا الأساس ما بين المحبين ، فقد كان كثير من الفلاسفة منهم أفلاطون على سبيل المثال يرى بأن الروح خليط بين ثلاثة أجزاء متمازجة غير مستقلة عن بعضها :

العقل - النفس - الرغبة

فالعقل سيقوم بعملية تفسير جميع الظواهر الشعورية إلى أسباب ومسببات لأن وظيفته كما عرّفه العلماء "إيجاد علاقات الربط و السببية بين الأشياء و الظواهر " فيقوم بصب عملية التفكير كما لو أنه أخذ عقله وركبّه في رأس محبوبه ، فيجد أن كل عملية شرطية تنتهي إلى محبوبه ، فلا يرى إلا ما يراه الحبيب ولا يسمع إلا ما يسمعه .. الخ

أما النفس فهي "بسيطة غير مركبة معقولة ذات طبيعة واحدة " هي أقرب إلى أن تكون شيء من عالم المثل العليا التي تجذب من ذلك العالم حقيقة الحب وحقيقة الصدق وحقيقة الاخلاص ..الخ ، فالممحب يشترك وحبيبه في تكوين هذه النفس ومكوناتها ..

أخيرا فإن الرغبة هي الادارك الحسي الذي أوجده الله سبحانه وتعالى فينا ، فيحب الحبيب من محبوبه أن تكون شهوته ورغبته وغاية مادته البشرية التي يرى كل منهما الآخر بلا عيوب ..

ربما تكون هذه الأجزاء بمسميات أخرى ولكنها تعبّر بشكل أو بآخر عن أجزاء الروح التي يمكن لروحين أن يشتركا بها ويتمازجان من خلالها ..

شاكر لك طرح هذا الموضوع
وما بين الأقواس "..." منقول بتصرف

بوسند يقول...

أهلا Ra-1

أتمنى أن يكون موجودا ..

هل رأيتيه ؟!

أسعدني مرورك :)

تحياتي

:::::::::::::::

مشاري ..

الحب الخمري هو الذي قال عنه القائل :

سُكران : سكر هوىً، وسكر مُدامة *** فكيف إفاقة من به سكرانِ ؟

أشكرك على هذه الأضافة النافعة التفصيل الرائع في إرجاع الموضوع إلى أصوله العقلية و الفلسفية ..

نوّرت المدونة

تحياتي

Ra-1 يقول...

نعم :)

بوسند يقول...

روان ..

إذن لا أملك إلا أن أقول :

إذا لم ترى الهلال فسلّم **لأناس راوه باأبصارِ

تحياتي

ام علي يقول...

جميل الكلام عن الحب والتحليق به ولكن الاجمل والانقى للقلب والعقل ان يتوج هذا العشقو الهيام بتاج مقدس ورابط حلال زلال حتى لا يجنح الخيال بنا الى مالايليق او مالايباح والا ايه يامولانا ؟

الحب كلمة طاهر نقية مقدسة .. اقدسها واسماها
( يحبهم ويحبونه ) يامن ملك حبك شغاف القلوب والافئدة من علينا بحب الحال لا المقال .