الاثنين، أغسطس 03، 2009

مَن يُفسد مَن ؟!




هذا المقال للأستاذ الكبير فهمي هويدي، يتحدث عن أثر فساد السلطة على فساد المجتمع بعمومه، وأن المجتمع هو مرآة للسلطة، وليس العكس، ويدلل على ذلك بأدلة واستشهادات.

ربما يردد البعض "كما تكونوا يولّى عليكم"، وللأسف فإن هذا الأثر الضعيف يُستعمل في كثير من الأحيان لتبرير فساد السلطة والسكوت عن محاربتها بحجة أنه إنعكاس للواقع السيء في المجتمع.

من الملاحظ أن المؤمنين بهذا الأثر ( الضعيف) يغفلون زوايا مهمة، وهي أن سكوتهم عن الطغيان والفساد هو الذي أوجد هذا الواقع السيء، وبالتالي (كما تكونوا) في سكوتكم عن الفساد ومحاربته، (يولّى) عليكم المفسدون ! فهذا الأثر -على افتراض صحته- يعطي الأمة حق المحاسبة والمراقبة لأنهم جزء من السلطة.

ثم إن هذه الأثر -على افتراض صحته- يفترض أن السلطة هي التعبير الحقيقي عن إرادة الأمة، بحيث تكون هي التي اختارتها وأوصلتها إلى سُدة الحكم، وليس عن أوضاع (المُلك العضوض) أو (الحكم الجبري) الذي يعيشه أغلب عالمنا الإسلامي والعربي.

تخريج الحديث: رواه الحاكم والديلمي والبيهقي، وفي إسناده إنقطاع، وفيه وضاع، وهو يحيى بن هشام



أترككم مع مقال هويدي الذي أجده يجسد واقعنا ويعبر عنه بشكل كبير.






( يا خفي الألطاف)

لماذا توجهون أصابع الاتهام دائما إلى الحكومة، كأنها المسؤولة عن كل بلاوي البلد؟
.
كان هذا سؤالا جادا ألقاه عليّ أحد القراء، الذين تابعوا ما كتبته أمس عن مسؤولية السياسة وقلت إنها إذا صلحت صلح البلد كله والعكس صحيح. وهو رأي لي عبرت عنه في أكثر من مناسبة، فضلا عن أنني لست الوحيد الذي يقول به.
.
وإذا جاز لي أن أدقق في صياغته الآن فلعلي أقول إن السلطة التي تمثلها الحكومة هي المسؤول الأول، وأن المجتمع بمؤسساته ومثقفيه يتحملون المسؤولية أيضا في مرتبة تالية، سواء عن تقويم السلطة إذا انحرفت، أو عن مقاومة فسادها وعدم الاستسلام له.
.
وهذا يفترض أن المجتمع يتمتع ببعض العافية التي تمكنه من أن يقوم أو يمانع ويقاوم .
.
قبل أكثر من عشرين عاما صدر لي كتاب بعنوان «التدين المنقوص» تحدثت فيه عن «الحكومة وأخلاق الناس»، قلت فيه إن السلطة لا تنشئ قيما في السلوك، ولكن ممارساتها أو إقرارها لأوضاع معينة أو حتى سكوتها عن تلك الأوضاع، إما هي بمنزلة إشارات أو إجازات تزكي قيما وتحجب أخرى، فالكذب والاحتيال والغش والتدليس مثلا رذائل متوطنة في المجتمعات الإنسانية منذ الأزل، ولا تملك سلطة في الأرض أن تجتثها وتقضي عليها، لكن أي سلطة تستطيع بممارساتها أن تكسب تلك الرذائل شرعية، وتثبتها كقيم في المجتمع .
.
قلت أيضا: إن ممارسات السلطة قد تبدو في ظاهرها جولات سياسية أو حسابات اقتصادية أو أهدافا تنموية تتعجل بلوغها، بشكل أو آخر، وهذا حق، غير أن ذلك يظل فقط الوجه المرئي منها والمحسوس، الوجه الآخر هو أن تلك الممارسات تشكل منهجا في تربية الجماهير من ناحية، ومدرسة تتخرج فيها كوادر السلطة المبثوثة في كل مكان من ناحية ثانية، فإن وجدت بين الناس فضائل شاعت، أو رذائل ومعايب تفشت وذاعت ففتش عن الحكومة، ودقق فيما تقول وتفعل، حتما ستجد ذلك الحبل السري الذي يربط فيما بين الاثنين، حتى ليخيل إليك أنك بإزاء نهر واحد، السلطة منبعه والناس مصبه.
.
في الأثر أن الله يزع بالسلطان بأكثر مما يزع بالقرآن، وهي عبارة تختصر الفكرة ببلاغة شديدة منبهة إلى أن تأثير النموذج الذي تقدمه السلطة في صياغة الواقع، أقوى وأعمق من تأثير التعاليم حتى إذا كان مصدرها القرآن.
.
وفي التراث العربي شهادات عديدة أخرى تعبر عن الفكرة ذاتها، من ذلك قول الإمام علي بن أبي طالب: الناس بأمرائهم، أشبه منهم بآبائهم في التمثيل والتلقي والتقليد.
.
ومما كتبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في وصاياه: ان الرعية مؤدية إلى الإمام، ما أدى الإمام إلى الله. فإذا رتع الإمام (أسرف وتنعم)، رتعوا!
.
وفي الطبري أنه لما حمل الجندي إلى عمر بن الخطاب سيف كسرى وجواهره، بعد هزيمته أمام جيش المسلمين، فإن أمير المؤمنين قال: إن قوما أدوا هذا لذوو أمانة. فعقب علي بن أبي طالب، موجها كلامه إلى عمر قائلا: إنك عففت، فعفت الرعية.
.
وهذا ابن الاثير، يسجل في موسوعته التاريخية «الكامل»:كان الوليد بن عبدالملك (الخليفة الأموي) صاحب بناء، واتخاذ المصانع والضياع، فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن البناء، وكان سليمان (بن عبدالملك) صاحب طعام ونكاح، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن النكاح والطعام.وكان عمر بن عبدالعزيز صاحب عبادة، فكان الناس يسأل بعضهم بعضها عن الخير: ما وِردُك الليلة، وكم تحفظ من القرآن: وكم تصوم من الشهر؟
.
.
الفكرة ذاتها، عبر عنها الفيلسوف الفرنسي هلفيتيوس في القرن الثامن عشر، عندما قال: إن التفاعل بين المجتمع والسلطة ذو اتجاه واحد، فالشعب لا يؤثر في طبيعة السلطة وإنما تؤثر السلطة في خصائص الشعب وأخلاقه.
.
واستنتج من ذلك أن السلطة مسؤولة عن مساوئ الشعب، كما أنها مسؤولة عن محاسنه.. فالسلطة التي تقوم على الابتزاز، ويتمتع أقطابها بامتيازات استثنائية لابد وأن تخلف جهازا مرتشيا، والسلطة التي تتعامل مع الشعب بطريقة فاشية، فإن جهازها لابد وأن يكون فاشيا، سواء بتشكيلاته، أو بالنزعة التي تسيطر على أفراده.
.
وأنا أقلب الأمر في ذلك الوقت المبكر، استوقفني وصفة (روشتة) صدرت عن فقيه مصر الأشهر الليث بن سعد، الذي دخل على الخليفة العباسي هارون الرشيد، فسأله: ما صلاح بلدكم؟.. فكان رده: يا أمير المؤمنين صلاح بلدنا اجراء النيل (جريانه) وصلاح الأمير، ان من رأس العين يأتي الكدر، فإذا صفا رأس العين صفت العين.وهي وصفة تستحق التفكير، لأن أمر النيل بات محل منازعة، وشأن الأمير كما تعرف، بحيث تعين علينا أن نلهج جميعا بالدعاء: يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف.
.
المصدر: هنا
.
.
أقول: يافهمي هويدي.. وضعت اصبعك على الجرح.. يسلم اصبعك :)
.
.
تحياتي
.
بوسند

هناك 6 تعليقات:

الطابور السابع يقول...

مقال رائع و كلام جميل

شكراً

دكتور كويتي يقول...

اذا فسد العالم فسد العالم
بوست رائع
شكرا

غير معرف يقول...

great artical
keep it up

بوسند يقول...

الطابور السابع

شكرا لمرورك الكريم .. وتعليقك الأول

وأهلا بك دائما

:::::::::::::::::::::::::

دكتور كويتي

صدقت

حياك الله

::::::::::::::::::::::::::::::

غير معروف

شكرا لك

الطارق يقول...

صدقت والأمر كما قال علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما حين علّق عمر بن الخطاب لما رأى الغنائم قد وضعت بين يديه قادمة من فارس قائلا : ( إن قوما أدوا ذلك لأمناء ) فقال علي : ( يا أمير المؤمنين لقد عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعوا ) وعليه يتضح لنا لماذا ترتع الأمة اليوم يا بوسند .


تحياتي لك وللكاتب الالرائع فهمي هويدي .

بوسند يقول...

الطارق

هو ذاك

شكرا لتفاعلك