الأحد، يونيو 07، 2009

ضمير فهمي هويدي



يستحق الأستاذ الكبير فهمي هويدي تحية تقدير وإكبار لموقفه المشرّف من لقاء الرئيس الأمريكي أوباما..


إليكم القصة ..

يقول الأستاذ فهمي:
" بسبب التعارض بين الضمير السياسي والضمير المهني خسرت فرصة المشاركة في حوار مباشر مع الرئيس أوباما يتمناه أي صحافي. ذلك أنني كنت قد أبلغت من قبل السفارة الأميركية بالقاهرة أنني سأكون ضمن مجموعة من الصحافيين ستلتقي الرئيس الأميركي لإجراء حوار معه عقب إلقاء خطابه.
.
أعددت نفسي وجهزت أربعة أسئلة، تمنيت أن أسمع منه إجابة عنها، وحين وصلت مع غيري من المدعوين للاستماع إلى الخطاب، أُبلغت بأن المجموعة التي ستلتقي الرئيس أوباما حجزت لها أماكن بالقرب من باب جانبي حتى ندلف منه مباشرة للقائه بعد الانتهاء من خطابه، وسلم كل واحد منا بطاقة بلاستيكية تتضمن اسمه وبيانات المناسبة.
.
وبحبر أحمر كتب عليها إنها «إعلام مؤقت» لمرة واحدة. وعليها ختم رئاسة الجمهورية ـ إدارة الأمن ـ مع توقيع رئيس الإدارة المركزية للأمن.
.
جلست إلى جواري صحافية ماليزية شابة قالت إنها دعيت إلى الاشتراك في الحوار، وفهمت منها أن مجموعة الصحافيين المدعوين للقاء عددهم ثمانية من العالم العربي وبعض الأقطار الآسيوية، ومن باب الفضول سألتها عن قائمة أسمائهم، فأخرجت دفترا صغيرا قرأت منه أن الثمانية موزعون كالتالي: اثنان من مصر (كنت أحدهما) وواحد من السعودية وآخر من لبنان وخامس من فلسطين وسادس من إندونيسيا وهي من ماليزيا. ثم قالت وهي تطوي الدفتر إن الثامن من إسرائيل.
.
حينما سمعت الكلمة الأخيرة شعرت بأن عقربا لدغني، فرجوتها أن تتأكد من المعلومة، وحين أعادت النظر إلى أوراقها قالت إنها صحيحة، وأن «الزميل» الإسرائيلي ينزل معهم في نفس الفندق، وأنه جالس معنا في الصف، طلبتُ منها أن تشير إليه، ففعلت، وحين التفتُّ إليه وجدته يتبادل التحايا مع زميلنا السعودي.

لم يكن الأمر سهلا بالنسبة لي، حيث ما خطر لي على بال أن أجلس في صف واحد، ولا على طاولة حوار واحدة مع إسرائيلي في ظل الأوضاع الراهنة.

ما أزعجني في الأمر أيضا أنني لم أبلغ بأنه سيكون بيننا صحافي إسرائيلي في اللقاء مع الرئيس أوباما، وهو ما قلته لموظفة السفارة الأميركية، وأنا أنقل إليها انسحابي من المجموعة واعتذاري عن عدم المشاركة في الحوار، قلت أيضا إن الرئيس أوباما جاء ليخاطب العالم العربي والإسلامي، وإسرائيل ليست من الدول العربية، ولا هي من الدول الإسلامية، فلماذا يقحم صحافي إسرائيلي وسط المجموعة العربية والمسلمة. ومن ثم اعتبرت أن الإقدام على هذا التصرّف ومفاجأة المشاركين به يعد عملا غير بريء وغير مقبول، وهو في حده الأدنى يعبّر عن الاستهانة ببقية المشاركين.

للحظة انتابني شعور بالخجل حين وجدت أنني مدعو للجلوس على طاولة واحدة مع صحافي إسرائيلي كبير، في حين تجمع عشرة أشخاص من الناشطين الأجانب وسط الميدان الذي تشرف عليه الجامعة، وهم يحملون لافتات ويرددن هتافات بالإنجليزية تدعو إلى رفع الحصار عن غزة، وتطالب أوباما بوقف دعم إسرائيل في حرب الإبادة التي تشنها ضد الفلسطينيين، كانت هتافاتهم ترن في أذني وصور ضحايا العدوان على غزة تتراءى أمام عينيّ طوال الوقت.

دعك الآن من آلاف الناشطين الغربيين وحدهم الذين سمح لهم الأمن بالتظاهر الرمزي، لأن لهم «صاحب» يمكن أن يحتجّ أو يمنع عنهم الأذى إذا تعرضوا لأي سوء، بينما «صاحب مصر» حبس الناس في بيوتهم ولم يسمح لهم بمغادرتها منذ الليلة السابقة، لم يستغرق قراري رفض المشاركة في اللقاء وقتا، وأيدني بعض الأصدقاء الذين أثق بوطنيتهم وسلامة حسّهم. نسيت الحوار وأسئلتي الأربعة، والعناوين التي خطرت لي، بل ونسيت السيد أوباما شخصيا، وما يمكن أن يترتب على انسحابي من تداعيات.
ذلك أننا نعرف أن رفض مقابلة مأمور القسم أو ضابط المباحث يعدّ عندنا أمرا مكلفا يمكن أن يدفع المرء ثمنا له لعدة سنوات، فما بالك برفض مقابلة رئيس الولايات المتحدة الذي هو «مأمور العالم» بأسره. غير أن ذلك الهاجس لم يقلقني، أولا لأنه زعيم بلد ديموقراطي يحتمل تصرفا «ديموقراطيا» من هذا القبيل. وثانيا لأنني لم أرفض مقابلة الرئيس بدليل أنني قبلت الدعوة وسلّمت نفسي لممثليه، ولكنني رفضت صحبة الإسرائيلي.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أعبّر فيها عن مقاطعتي لإسرائيل بمثل هذا التصرّف الذي أعرف أنه متواضع للغاية، ولم يغير شيئا من خرائط الشرق الأوسط ولا من مواقف مثقفي التطبيع، لكنه بالنسبة لي كان نوعا من إنكار المنكر، غاية ما يحققه أنه يسمح لي بأن أنام مرتاح الضمير، ذلك أنني أعتبر أن الصحافي شأنه في ذلك شأن أي مثقف، هو في النهاية ضمير أمته، والضمير لا يقبل التجزئة أو التقسيط، إذ لا أستطيع أن أميّز بين الضمير المهني أو السياسي أو الأخلاقي، وأعتبر هذا التمييز الذي يمارسه البعض ليس سوى نوع من الاحتيال أو الالتفاف، يُراد به في النهاية تسويغ خيانة الضمير، وهو ما لا أرضاه لنفسي، وأحسب أنك أيضا لا ترضاه لي، لأنني يوم الحساب لن أسأل عن حوار صحافي خسرته، ولكنني سأُسأل عن ضميري إذا خنته."
.
تحية للضمير الحيّ
.
تحياتي
.
بوسند

هناك 17 تعليقًا:

k.h alqassar يقول...

يا سلام .. كم يحتاج هذا الضمير الحي المشرق الى مزيد من التضحيات .. واسجل اعجابي واجلالي لهذا المفكر العظيم فهمي هويدي .. والله اثبته ويرفع من قدره ..

تحياتي لك بوسند :)

moonq8 يقول...

ماشاء الله عليه صاحب رؤية ثابته
برافوووا عليه ...

الفيصل يقول...

كبير والله كبير هالانسان صاحب مبدأ
تسلم بوسند

مركبنا يقول...

الله اكبرررررررر

فرق بين من يكتب لفكرة ومن يكتب بحثا عن شهرة

الحارث بن همّام يقول...

على راسي والله


الحين اوباما مو ياي عشان يخاطب العالم الاسلامي؟
شكو ياي الاسرائيلي؟!

بوسند يقول...

يخيّل لي بأن كثيرا من المثقفين والصحفيين يتمنون أن يحضوا مثل هذا اللقاء وبأي ثمن .. لكن الموقف الكبير من الأستاذ فهمي هويد أنه تعالى على الفضول الصحفي والتفاخر الموهوم بمثل هذه اللقاءات .. فرضه وفق قناعة ومبدأ راسخ و ضمير حي ..

القصار

قمر الكويت

الفيصل

مركبنا

الحارث بن همام

شكرا لكم جميعا على التفاعل

تحياتي

الـسـنـبـلـة يقول...

اتخيل نفسي لو كنت مكانه .. ماذا سيكون موقفي !!

قد يكون موفقه كما قال متواضع لكنه كفيل بأن يتركه ينام مرتاح الضمير !!


شكرا جزيلا يا بو سند على النقل .

دمتم

مستعدة يقول...

كلما إزدادت قراءتي له.. إزداد إعجابي به ..

شكرا على النقل..

Q80 Blogger يقول...

بالفعل .. معلّم ..

Recoletos يقول...

Strong beliefs win strong men, and then make them stronger
Richard Bach -

الطارق يقول...

هكذا هم الرجال حين ينحازون لنداءات مبادئهم في ضمائرهم ، لا يهابون العواقب فهم يعرفون بأن النصر على النفس هو مفتاح باب النصر على الواقع .

هو درس يا رجال التغيير والثورة على الواقع السيء .

بوسند يقول...

السنبلة ..

الله لا يبلاك بمثل هذا الموقف :)

تحياتي

::::::::::::::::::::::::::::

مستعدة ..

فعلا .. يستحق الأستاذ فهمي الإعجاب

ولك التحية

:::::::::::::::::::::::::::


كويتي بلوغر..

أهلا بمرورك

::::::::::::::::::::::::::::::::

سيد Recoletos

الإيمان القوي .. يصنع المعجزات

والضمير الحي لا يقف في وجهه المستجيل

تحياتي

:::::::::::::::::::::::::::::

الطارق

نعم .. البدء بالنفس .. بالداخل ..

تحياتي

العين يقول...

"الاقدام على هذا التصرف و مفاجأة المشاركين به عمل غير بريء"

هنا تكمن أهمية الوعي بمايحاك تحت الطاولة.. هو بالفعل غير بريء
اشياء كثيرة تجري من هذا النوع في اماكن متفرق في الدول العربية و القنوات الفضائية العربية و غير العربية .. هي بالفعل غير بريئة و لابد أن يفضحها أحد .. صدق النفيسي حينما قال على لسان الصهيوني بيريز .. المواطن العربي ملووول (من تكرار طرح القضية مرارا) لكن يجب ان يقف أحد و يثبت ان العامة قد تنسى .. تمل من تكرار الموضوع و تشعب القضية .. لكن الخاصة و من حمل في قلبه هم تدنيس أخت مكة و المدينة من مفكري الامة و مثقفيها .. لا تنسى و لن تنسى و لو طال الزمان و تكالبت الامم و تعاقبت المؤتمرات و تنوعت مصطلحات الاستسلام و أشكال الانهزام ..

فشكرا للاستاذ الكبير و شكرا للناقل

بوسند يقول...

العين

مداخلتك في الصميم

شكرا

ام علي يقول...

شكرا لك هويدي احيت الضمائر ولو بالقليل من العمل ..!

الشكر موصول لبو سند

غير معرف يقول...

الإلتزام بالمبادئ امر نادر في هذا ازلمن لكن جسده الأستاذ هويدي في هذا الموقف.
صقر قريش

سعاد يقول...

تأثرت كثيرا مما كتبه الكاتب ... للأسف مواقفنا في قضية القدس تعتمد على حجم العدوان ... فلا نتحرك الا بعد اجتياح بلدة أو قتل المئات .. ولكن الحمدلله الذي أوجد العقول المبصرة والضمائر والحية بيننا لعلها توقظ من حولها ممن نسيت ضمائرهم هذه القضية بين روتين الحياة اليومي